اتهم تحليل نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا)، مصر بمحاولة "تصدير أزماتها الهيكلية الداخلية" والبحث عن تشتيت خارجي عبر بناء تحالفات عسكرية وإقليمية في منطقة شرق إفريقيا والقرن الإفريقي.

 

وزعم التحليل، الذي كتبه الباحث ماتياس بولي من موقع "نبض أفريقيا"، أن التحركات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة لمصر في المنطقة تعد بمثابة "صمام ضغط مؤقت" للالتفاف على التحديات الاقتصادية والسياسية المحلية المتفاقمة بالداخل المصري.

 

يأتي هذا تزامنًا مع تعزيز مصر لتواجدها العسكري والسياسي في القرن الإفريقي عبر بوابتي الصومال وإريتريا، وهو التحرك الذي تنظر إليه أديس أبابا بحذر وتعتبره استهدافًا مباشرًا لمصالحها الإقليمية والمائية.


وربط التحليل بين السياسة المصرية الراهنة والأوضاع المأزومة التي تعيشها البلاد، قائلاً: "فكلما تصدعت الاستقرار الداخلي، استحضرت مياه النيل. وفي عهد (قائد الانقلاب) عبد الفتاح السيسي، تحولت هذه الوسيلة إلى استراتيجية أساسية للبقاء". 

 

وأضاف: "وفي مواجهة اقتصاد ينهار وخيبة أمل شعبية عميقة، يضاعف النظام المصري، من خلال استبداده الممنهج، تمسكه بمطالبة عفا عليها الزمن بالهيمنة على النيل، بينما يؤجج التوتر في أنحاء شرق أفريقيا والقرن الأفريقي".

 

وأشار إلى أن خلف هذه السياسة الخارجية عالية المخاطر، تقف حكومة يائسة تسعى إلى إدارة الانقسامات الداخلية، مستخدمة استعراضات خارجية لإظهار القوة في وقت يتعثر فيه الحكم الداخلي.

 

 

دولة قائمة على الأمن والديون


في السياق، يربط التحليل استراتيجية مصر بتكريس سلطة الاتقلاب لهيمنتها على الحكم عبر تعديلات دستورية، قائلاً: "يعمل النظام من خلال دولة أمنية شديدة المركزية، صُممت للقضاء على البدائل السياسية. وقد عززت التعديلات الدستورية لعام 2019 هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، ومددت فترة بقاء السيسي المحتملة في الحكم حتى عام 2030، وحولت البرلمان إلى هيئة تصادق على القرارات دون نقاش فعلي. كما حُظر المجتمع المدني المستقل، فيما يتعرض الصحفيون الناقدون للقمع بصورة منتظمة تحت ذريعة مكافحة "الأخبار الكاذبة".


وقال التحليل في شرحه للحالة الراهنة في مصر: "ويحدث هذا الانغلاق السياسي الكامل في ظل أشد أزمة اقتصادية تشهدها مصر في تاريخها الحديث. إذ تتمتع القوات المسلحة بإعفاءات ضريبية وامتيازات في الأراضي لا تتاح للقطاع الخاص. ويؤدي ذلك إلى إزاحة الشركات الخاصة وإعاقة نموها، وردع الاستثمار الأجنبي المباشر، وترك شريحة الشباب المتنامية في مواجهة بطالة مزمنة".

 

 

التمرد والأمننة والدين


إلى جانب المؤشرات الاقتصادية، أبرز التحليل ما قال إنها مواطن ضعف في الأمن الداخلي لا تزال قائمة. ففي شمال سيناء، يواصل تمرد عنيف مستمر منذ عقد، تقوده "ولاية سيناء"، إلحاق الخسائر بالقوات العسكرية وتشريد المجتمعات المحلية، رغم التعتيم الإعلامي المكثف ونشر المدفعية الثقيلة. وعلى امتداد الحدود الغربية البالغ طولها 1100 كيلومتر، تسهم الفوضى في شرق ليبيا في تسهيل تهريب الأسلحة والغارات العابرة للحدود، ما يستنزف القدرات العسكرية.

 

ولإدارة التماسك الاجتماعي، يقول التحليل: "يعمل النظام على استمالة المؤسسات الدينية على نطاق واسع. وعلى الرغم من توافقه العلني مع بابوية الأقباط، فإن التمييز البنيوي والعنف الطائفي المحلي لا يزالان يثيران التوتر في المحافظات الريفية".

 

 

الحنين إلى النيل والتوتر الإقليمي


في مواجهة الضغوط الداخلية المتراكمة، يرى التقرير أن الاستراتيجية الخارجية للنظام تؤدي دور صمام ضغط حيوي، "إذ تهيمن على سياسة القاهرة تجاه شرق أفريقيا رواية مائية متقادمة، تصور النيل الأزرق باعتباره مجالاً وجوديًا حصريًا، وتستخدم سد النهضة الإثيوبي لحشد المشاعر الوطنية حول العلم".

 

وبحسب ما يرى، فإنه "لا تقتصر هذه الاستراتيجية السردية على وسائل الإعلام الحكومية، بل تمتد إلى الدبلوماسية الإقليمية. فبدلاً من التكيف مع الأطر المعاصرة المنصفة لتقاسم المياه، سعت القاهرة إلى إبرام اتفاقيات أمنية وإقامة موطئ قدم استراتيجي في أنحاء شرق أفريقيا، بهدف إظهار قوتها بالقرب من منابع الني"ل.

 

وبرأيه، يتيح تصوير التنمية المائية الإقليمية باعتبارها تهديدًا مباشرًا للدولة إعادة صياغة الإخفاقات الاقتصادية البنيوية على أنها نتيجة عداء خارجي. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع صدمات إقليمية أخرى، من بينها الخسائر الحادة في إيرادات قناة السويس بسبب اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، والموازنة الدقيقة للمواقف إزاء الصراع في غزة، وتدفق اللاجئين من الحرب الأهلية في السودان.

 

 

الوهم بوصفه أسلوبًا للحكم


للحفاظ على تماسك هذه الشبكة المعقدة، يشير التقرير إلى أن إدارة السيسي تعتمد على مزيج محسوب من الاحتواء والمحسوبية. ويُكافأ كبار الضباط العسكريين بمناصب مربحة في الشركات المملوكة للدولة ومناصب حكام الأقاليم، لضمان الولاء المؤسسي. وفي الوقت نفسه، يُستخدم السجن الجماعي والحبس الاحتياطي والمحاكم المختصة بقضايا الإرهاب لإبقاء المعارضة الداخلية مجزأة، بينما تصور وسائل الإعلام الحكومية كل انتقاد داخلي باعتباره مؤامرة أجنبية أو مخططًا لجماعة الإخوان المسلمين.

 

ولإدارة توقعات الجهات المانحة الغربية، يقول إن النظام يلجأ دوريًاً إلى تفعيل "صمامات ضغط" خاضعة للسيطرة. غير أن هذه المبادرات تُدار بعناية لتقديم وهم الإصلاح السياسي، دون المساس بالبنية العسكرية السلطوية القائمة.

 

 

تفكك الرواية


ويخلص التقرير إلى أن "اعتماد مصر على هيمنة متقادمة على النيل ومناورات إقليمية في شرق أفريقيا يمثل، في جوهره، تصديرًا لهشاشتها الداخلية. فمع تفاقم التضخم المفرط الذي يثقل كاهل الأسر، واستنزاف خدمة الديون للثروة الوطنية، يشكل الخطاب الخارجي العدواني درعًا مؤقتًا يحول دون المساءلة".

 

لكنه يرى أنه مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتطور الديناميات الإقليمية بعيدًا عن احتكارات المياه التي سادت في القرن العشرين، تتسع الفجوة باستمرار بين التوجه الخارجي للقاهرة وواقعها الداخلي.